
بللت شفتيها وذهبت سريعاً هاربه من امامه ولكنه لم يترك الفرصة حين استدارت ترمقه نظره اخيره ،فغمز لها واجاب زميله بمكر : -ايوه يا حوده، متقلقش الاسانسير معلق حبتين بس ورا ورا مش هسيبه،، هيروح مني فين ! غطت ابتسامه عريضة وجهها ما ان اغلقت باب شقتها ، وهي تستمع لكلمات الوسيم ،كأنها تستشعر صدق كلماته بانه لن يتركها حتي تصبح له رغم كل العوائق! ……. *** خرجت من افكارها علي صوت المأذون الذي انتبه لعمق نظراتهم و ملامحهم الحزينة:
-انا حاسس ان في شئ غلط انتوا متأكدين من قرار الطلاق ده؟ لاني شايف اسيبكم دقايق اخيره مع بعض قبل الانتهاء من الوضع ؟؟ لينتفض الجميع علي صوت والده رحمه العالي نسبياً : -ماتخلصنا يا شيخ عايزين نروح، هما خلاص متأكدين! -لا اله الا الله،،، في الاوقات اللي زي دي ربنا يقدر الواحد علي فعل الخير ولا انا اللي نكدي مثلا ومش عايز اشتغل؟ قال المأذون بحذر، فأجابته والده عبدالله بشماته:
-معلش يا شيخنا وهي هتعرف الحاجات دي منين دي حتي الستاير فضحتنا عليها عشان لما ينفصلوا تاخد الشقه زي ما هي ! انعقد حاجبي المأذون ليقول : -ستاير؟ ردت والده رحمه بغيظ: -فضيحه ليه ياااختي مش حق بنتي ولا مش حقها …. -ستاير ايه و كلام فارغ ايه دلوقتي ! تدخل عبدالله بضيق فأخر همه شجارهم السخيف في الوقت الذي يفقد فيه زوجته و حب حياته ، تدارك المأذون الموقف بخفه مدروسة :
-لا حول ولا قوة الا بالله،، يبدو ان الموضوع كبير للغاية ،، لا حضراتكم تتفضلوا معايا برا نشرب حاجه ثم نحكم بأمر الستائر !! انكمشت ملامح رحمه و عبدالله بتعجب لقوله بينما هرع محمود الذي فهم عليه و فتح الباب علي امل انقاذ زواج صديقه و مساعده صلاح في استدراج امهاتهم للخارج بقوله : -ايوه انا سمعت ان الشيوخ بيفصلوا في الحاجات دي دلوقتي …. حرك عينيه لصلاح ليجاريه لكنه رفض الانغماس في تلك الكذبة، يكفيه ما فعله من مغامرة ساذجة لاعطاء الزوجان وقت خاص، استدار لهما ما ان تخرجهم مضيفاً بابتسامه :
-فوقوا بالله عليكم وتذكرا بانه اذا تبقى بينك وبين الناس شعرة فلا تقطعها!! خرج وترك الاثنان ينظران لبعضهما ببلاهم، ازدرد عبدالله ريقه ببطء يبحث عن قول ينقذه من هذا الخراب ولكنه لم يجد،،،،، انتظرت هي بأمل طفيف اجبره ذلك المأذون المجنون داخلها بمحاولاته، ربما كان يجب ان تستمع لوالدتها بالذهاب لغيره فهو شاب ويبدو ان طريقته غير تقليديه و مريبة، لكن هذا الامل سرعان ما انفرط عندما مرت الدقائق بينهم بصمت فوقفت بحده لمناداتهم،، فزوجها اتخذ القرار، وقف سريعاً هاتفاً بخفوت:
– استني! استدارت بملامح واجمه لتجيب: -افندم عايزني استني عشان تكمل سكوت! -انتي مستعجله اوي ليه كده،، للدرجه دي مبقتيش طيقاني؟ ضحكت بسخريه لتقول بألم: -ارجوك قولي انك بتهرج…. مين اللي يعاتب مين يا عبدالله؟ هز رأسه برفض وهو يتفحص وجهها بشوق ليستكمل: -مش عايز عتاب اصلا ،، انا عايزك انتي؟ فركت جبينها بتعب واجابت بخفوت : -بلاش تلعب بيا، كفايه لحد كده، انت اخترت خلاص! -لا انتي اللي اختارتي مش انا!!
جزت علي اسنانها وهي تكبح دموعها لتقول: -بتضحك علي مين هاه… بتضحك علي مين؟ وضع يد علي ذراعه المصاب وهو يقترب منها قائلاً: -ايه يعني لما اتصاب وانا بشتغل مش نهاية الدنيا ما اي حد عنده مخاطر في شغله ليه انتي مصره اني اسيب شغلي عشان غلطه سخيفه…… هبطت دموعها وهي تصيح بتلعثم : -غلطه سخيفة….. يا مؤمن ده انت دراعك متنيل لحد دلوقتي…. انت انت…. حاولت الاستكمال بين دموعها المنهمرة ولكن ذكريات الحادث المشئوم كانت اقوي…..
*** ركضت بين اروقه المشفى بهلع، تدعوا الله ان تكون المكالمة التي جاءتها تنذرها بوقوع حادث لزوجها مجرد مزحه او مكالمه خاطئة،، مسحت دموعها لإبعاد الغشاوة وامسكت بيد ممرضة تمر بجوارها : -لو سمحتي في حد وقع في حادثه اسانسير اسمه عبدالله تعرفي هو عامل ايه او هوهوموجود موجود فين؟ -اه الحمدلله ربنا كتبله عمر جديد، هو موقعش متقلقيش لحق نفسه اخر وقت واتعلق في حبال الاسانسير بس للاسف كتفه اتخلع و عنده كدمات تانيه و هتلاقيه موجود هناك في الأودة اللي علي اليمين والدكتور هيقولك علي الحاله بالظبط !
اجابت الممرضة قبل ان تمضي لاستكمال عملها، اغمضت رحمه عينيها تحمد الله و توجهت اليه سريعا، وجدته مستلقي علي الفراش نائماً بضعف ، رأسه مغطي بشاش ابيض ملوث بدمائه و الجبيره تصل من كتفه حتي اصابعه، دنت منه وامسكت كفه تقبله بحزن: -حبيبي انت كويس؟ رمش ببطء قبل ان يضغط بكفه علي كفها مطمئناً : -انا كويس، متعيطيش! اجهشت في البكاء وهي تضع رأسها علي كفه تطرد كل خوفها و قلقها بانها ففقدتهلتنهي بها اسوء ساعه مرت عليها في حياتها ، ربت علي رأسها بضعف حتي هدأ بكاءها …
ولكن مأساتهم الحقيقية بدأت ما ان عاد للمنزل بعد ايام و صدمته بقرارها : -انت لازم تسيب الشغلانه دي! قطب حاجبيه بلا مبالاه ليتساءل: -ليه؟ حاولت اخفاء ذهولها وقالت: -يمكن عشان كنت هتمـ,ـوت وانت لسه عريس مبقالكش سبع شهور!! -يا شيخه دي مشيئة ربنا! قالها وهو يهرب لمكان اخر فأتبعته بأصرار: -ربنا مقالش نرمي نفسنا في التهلكه! استدار نحوها بانزعاج : -في ايه يا رحمه مانتي عارفه ان دي شغلتي ايه اللي جد يعني؟
-لا متحسسنيش ان معندكش مشاعر للدرجه دي هو انت مش حاسس بالمصيبه اللي كانت هتحصلك، انت متخيل ان دراعك اتخلع وانت متشعلق بين السما و الارض وانك واخد 8 غرز في راسك و كان ممكن يجيلك نزيف في المخ؟ انت بجد مش حاسس؟؟ ابتعد من امامها بأنفاس عاليه، ماذا يخبرها؟ بانه فاشل لا يملك شئ في الحياه سوي تلك المهنة و صنعتها، هي تعلم جيدا انه لا يملك شهاده الثانوية حتي وانه لم يفلح في التعليم فلما تضغط عليه و تؤرق حياتهم؟
ام انها ملت منه و تحاول الهروب مع اول عقبه؟ نفض افكاره المؤلمة وتأوه عندما ادارته نحوها متناسيه اصابته لكنه اردف بقوه: -بقولك ايه يا رحمه،،، انتي من الاول عارفه انا ايه و شغلي ايه وهي حياتي كده مينفعش اغيرها ،ولو مخدتيش بالك ليه فانا ههقولك واسهل عليكي الطريق انا مبعرفش اعمل حاجه غير الشغلانه دي و لولا خالي اصلا علمهالي كان زماني ضايع في الشوارع ! قاطعته بعفويه: -مش مهم محدش بيمـ,ـوت من الجوع ثم انا بشتغل يعني ممكن ندبر امورنا لحد ما تشوف شغلانه تانيه واكيد ربنا مش هيسيبنا!
تجمدت ملامحه وصمت حتي توترت قائله: -مالك؟ -انتي عايزاني اقعد في البيت وتصرفي عليا؟ انعقد حاجبيه وهي تلعن الكبرياء الذكوري الذي لم يجعله يفهم سوي هذا من كلماتها فاكملت : -لا انا عايزاك تحافظ علي نفسك لاني اكتشفت ان لو جرالك حاجه انا همـ,ـوت و هتدمـ,ـر مش هستحمل ضـ,ـربه زي دي تاني في حياتي بعد بابا الله يرحمه…. ولكنه استمر بحده كأنه لم يسمعها : -انتي شكلك اتجنيتي ،،، هي دي طريقه حبك ليا،،، بصي يا رحمه حسك عينك تقولي الموضوع ده تاني وقفلي علي كده!!
-يعني ايه اقفله،، انت مجنون،،، بقولك ايه مش هستناك تمـ,ـوتني ناقصه عمر، يا انا يا ام الشغلانه دي؟ ضيق عيناه بغضب ليقول: -طيب انا و هقعد زي الولايه جنبك لكن محمود و جلال ذنبهم ايه اخرب بيتهم!! نظرت له مذهوله : -محمود ايه و زفت ايه دلوقتي ،، هو ده اللي همك ؟ واحنا و حياتنا اللي بتبوظ مش واخد بالك منها؟! ضـ,ـرب طاوله صغيره امامه بقدمه و صاح مستنكراً:
-كفايه بقي مش عايز اسمع حاجه…. وبذلك أسرع للهرب من امامها والي الطرقات…. *** تآوهت بخفوت عندما ضمها اليه يقطعها من اسوء أفكارها، فبكت باستلام واستندت علي كتفه لتقول: -كفايه وجع قلب… كفايه!!
