الفصل الثاني من رواية بسمة امل للكاتبة روز امين

الفصل الثاني من رواية بسمة امل

وضعت حقيبة يدها جانبً بعدما أخرجت منها هاتفها وتحركت إلي الأريكة ورمت حالها بإستسلام وتعب، أمسكت هاتفها وضغطت زر الإتصال وأنتظرت حتي أتاها الرد من أمير الذي أردف قائلاً بنبرة هادئة : _ أيه يا حبيبتي وصلتي البيت ؟ أردفت بصوتٍ مٌجهدً من شدة تعبها : _ أنا لسه واصلة حالاً، بس إتفاجأت إن إنتَ وكارما مش موجودين ! أجابها بصوتٍ هادئ يصل إلي البرود : _ معلش يا حبيبتي أصل أنا عند ماما، كتر خيرها لما عرفت إنك مش موجودة في البيت عزمتنا علي العشا أنا وكارما ، علي العموم هنتعشي ونيجي لك علي طول، مش هنتأخر

وأكملَ مٌتسائلاً : _ مش محتاجه حاجه أجيبها لك معايا وأنا راجع من برة ؟ ردت بصوتٍ حزين مهموم لعدم إكتراث زوجها لحالتها ولا حتي مجرد السؤال عن صِحتها أو عن ما أخبرها بهِ الطبيب : _ مٌتشكرة يا أمير، أنا الحمدلله مش محتاجه حاجه، وأكملت بنبرة حزينة: _ بس يا ريت تيجوا بسرعة وما تتأخروش علشان كارما وحشتني ومحتاجة أخدها في حُضني وأطمن إنها بخير إستمعت إلي صوت والدتهٌ الرخيم وهي تستدعيه لتناول الطعام بنبرة حادة ، فأردف هو بنبرة صوت مٌتعجلة ، خشيةً غضب والدتهُ منه :

_ هقفل يا أمل وهكلمك وإحنا راجعين في الطريق أغلقت معهٌ وتنهدت بأسي، وتحركت إلي غرفة نومها كي تخلع عنها ثيابها وتأخذ حمامً دافئً علهٌ يُزيلٌ عنها همومها وحزنها الذي أصاباها من إهمال زوجها لها علي الجانب الأخر داخل شقة مصطفي عساف، تحدثت راوية بنبرة ساخطة علي أمل : _ يدوب إن الهانم إفتكرت إن ليها راجل وبنت ليهم حق عليها، بسلامتها جاية تسأل عليكم أخر الليل ؟ أجابها وهو يضع الطعام داخل صَحن صغيرته بإهتمام :

_ هتسأل علينا إزاي بس يا ماما و هي كانت في المعمل طول اليوم صاحت راوية هاتفه بنبرة متذمرة : _ وكان لزمته إية المعمل والتحاليل من أصلة يا أبني ولا هي بعزقت فلوس علي الفاضي ، هي كل اللي تدوخ لها شوية تجري علي الدكاترة وتعمل تحاليل وإشاعات ؟! وأكملت بنبرة غاضبة: _ طبعاً ليها حق تعمل فيك أكثر من كده، طالما شيفاك مدلوق عليها وما بترفضلهاش طلب وأكملت بضيق وتذمر :

_هو آنتَ هتسد عليها منين يا أبني لده كُله، أكل ولا شُرب ولا أعياد الميلاد اللي مبتخلصش، إيشي عيد ميلادها وعيد ميلاد البنت وعيد جوازكم وأدفع يا سي أمير ، وأهي كِملت بالدكاترة والدلع الماسخ بتاعها ده كمان زفر مصطفي وتحدث معترضً علي حديث زوجته الغير إنساني بالمرة : _ يا راوية إتقي الله وخافي ربنا وإنتِ بتتكلمي عن الولايا ، ده بدل ما توصي إبنك وتقولي يخلي باله من مراته ويهتم بيها وهي تعبانه علشان ربنا يكرمة ويكرمك، تقومي تقوميه عليها بكلامك الفارغ ده

أجابته بنبرة حادة : _ هي مين دي اللي تعبانة يا راجل، هو أنتَ بيخيل عليك كُهن الستات ده، دي زي القردة وصحتها أحسن مننا كُلنا، ده دلع بنات ماسخ يا أخويا تنهد أمير وتحدث مُعترضً علي حديث والدته وهو يُتابع نظرات صغيرتهُ التي تتنقلها بين الجميع بترقب وذكاء : _خلاص يا ماما لو سمحتي، بلاش كلامك ده قدام البنت وياريت متنسيش إن اللي بتتكلمي عليها دي تبقا مامتها تحدثت بنبرة حادة :

_ خلاص يا سي أمير، هتخرص في بيتي وأسكت ومش هجيب سيرة الكونتيسة أمل علشان ترتاح إنتَ وأبوك تنهد بأسي هو ووالدهُ وأكملا طعامها حتي إنتهي العشاء، أخذ طفلته وتحرك بسيارته الذي إبتاعها بضمان من البنك بالتقسيط المريح بمساعدة أمل التي أعتطهُ مبلغً مالياً كان قد أعطاها إياه شقيقها بعد ولادة كارما مباشرةً ، وتحرك عائداً إلي مسكن الزوجيه ثم تحدث إلي طفلتهِ التي تُجاوره الجلوس في محاولة منه لتجميل وجه والدتهُ أمام طفلتهُ، وأيضاً ليحثها علي عدم الإفصاح وإبلاغ والدتها بما جري :

_ كوكي، إنتِ طبعاً عارفة إن نانا بتحب مامي جداً وبتحترمها ، هي بس كانت متضايقة شويه إنهاردة فتكلمت عنها بطريقة مش كويسه وأكمل برجاء: _ فياريت متقوليش لمامي اي حاجه من اللي سمعتيها من نانا، علشان مامي مش تزعل وتضايق وهي تعبانة أجابتهُ ذات الست سنوات بذكاء وفطانة : _ أنا عارفة كل الكلام ده يا بابي، وكمان مامي قالت لي إن مينفعش نسمع كلام من حد ونوصله لحد تاني، علشان كده ربنا هيزعل مننا أوي

وأكملت بفِطرة : _وأنا بحب ربنا أوي ومش عوزاه يزعل مني، وعوزاه كمان يحبني ويدخلني الجنة إبتسم لذكاء طفلته وتحدث بفخر : _ برافوا عليكي يا كوكي، ربنا يحميكي يا حبيبتي بعد قليل وصلا إلي أمام البناية، صف سيارتهُ وترجل منها وصعد إلي منزلهُ بصحبة طفلته، دلف إلي الداخل وجد أمل تجلس أمام شاشة التِلفاز تنظر عليها بشرود ووجهٍ شاحب ويظهر عليها الإرهاق الشديد جرت عليها طِفلتها وارتمت داخل أحضانها وتحدثت بنبرة حنون :

_وحشتيني أوي يا مامي إبتسمت لها وبادلتها الإحتضان بحنان ، في حين تحدث أمير وهو يُميل بجذعهِ عليها مُقبلاً وِجنتها : _ إزيك يا حبيبتي أجابته بملامح وجهٍ مُبهمه : _ الحمدلله تسائل هو بإهتمام مصطنع : _ إتعشيتي مع طنط ؟ هزت رأسها بنفي وتحدثت بنبرة مُلامة : _ ماما عزمت عليا إننا ندخل أي مطعم ونتعشي فيه، لكن أنا إعتذرت لها، واسترسلت وهي تنظر إلي عيناه بنظرة عاتبة:

_إفتكرتك مستنيني إنتَ وكوكي وقُلت نتعشي مع بعض تحمحمَ مُعتذراً بنبرة خجِله من حاله : _ معلش يا حبيبتي أصل ماما كلمتني بالصدفة بعد ما آنتِ خرجتي علي طول، ولما عرفت إنك برة مع طنط عزمتني أنا وكارما علي العشا وأصرت، وأنا ماقدرتش أقول لها لا علشان متزعلش وأكمل متسائلاً عندما تذكر : _ عملتي التحاليل ؟ أومأت لها دون النظر إلي عيناه وذلك لحزنها الشديد، ثم وقفت قائلة بإستئذان :

_ أنا داخلة أنام علشان تعبانه شوية، وياريت من فضلك تنيم كوكي في سريرها وتطمن عليها أومأ لها وفعل كل ما طلبته منه تحت خجله وشعوره بالتقصير، بعد مدة دلف إلي غرفته وجدها ممدة فوق التخت، جاورها التمدد دون حديث تحت حُزنها — بعد يومان كان موعد إستلام نتيجة الفحوصات من المعمل وأخذِها إلي الطبيب حتي يستعرض ما تحتوية وتفهم هي طبيعة ما يحدث مع جسدها مؤخراً ذهب معها أمير بصُحبة والدتها وذلك كي يعوضها غيابهُ معها تلك المرة الفائتة بعدما لاحظ حُزنها منه وتغيُرها معهُ، إستلموا الفحوصات من المعمل وأتجهوا إلى الطبيب مباشرةً

وبعد مدة نظر لها الطبيب مطولاً وبدون رحمةً ولا شفقة أدلي ما بدلوهٍ قائلاً بطريقة عملية : _ للأسف يا مدام أمل، التحاليل والأشعه اللي قدامي بتأكد إن حضرتك عندك لوكيميا إهتز كيانها بالكامل وصٌعقت روحها وكأنها إصتُدمت بكل قوة وعٌنف بجدارٍ صلب مما تسبب لها بإهتزاز بجسدها وتشوش بعقلها، حتي أنها لم تعٌد تَعِي لما يُقال أو يدور من حولها وكأنها إنفصلت عن الواقع تماماً شهقت والدتها واضعة يدها فوق فاهها وبدأت بهز رأسها بطريقة هيستيرية غير مستوعبة لما إستمعتهُ آذناها للتو من فاه ذاك الطبيب

أما أمير الذي إنصدمَ بشدة ونظر إلي أمل بذهول ثم حول بصرةٍ إلي الطبيب وتسائل مُستفسراً : _ حضرتك متأكد من الكلام ده يا دكتور، مش يمكن ٠٠ كادَ أن يٌكمل لولا مقاطعة الطبيب لهٌ متحدثً بتأكيد ونبرة واثقه : _ للأسف يا أفندم ، التحاليل والإشاعات اللي قدامي مظبوطه جداً، أنا أساساً كٌنت شاكك في المرض من أول ما كشفت علي مدام أمل بعد ما سمعت منها الأعراض اللي عندها

وأكمل مُفسراً بنبرة جادة: _ لكن قٌلت أعمل تحاليل دقيقة في معمل موثوق فيه علشان أتأكد قبل ما أفاتحكم في الموضوع كانت شاردة، ناظرة للأسفل في نقطة اللاشئ، وبلحظة هبطت دموعها وأنهمرت فوق وجنتيها حينما وعت علي حالها وأستوعبت الخبر التي إستمعت إليه من الطبيب ، إنتفضت سحر واقفة من جلستِها وأسرعت وحاوطت صغيرتها وأحتضنتها برعاية لتشد من أزرها رفعت أمل نظرها إلي الطبيب وأردفت قائلة بدموع وصوتٍ بائس مُحبط :

_ فاضل لي قد أيه في الدُنيا يا دكتور ؟ شددت والدتها من إحتضانها وأردفت سريعاً بلهفة وخوف : _ بعد الشر عنك يا حبيبتي،أوعي اسمعك تقولي كده مرة تانية وأكملت بنبرة حماسية بذلت أقصى ما عِندها لإستجماعها والظهور بها وذلك كي تُشجيع إبنتها وتحِثُها علي التفاؤل وطرد تلك الأفكار التشاؤمية من عقلها : _ إنتِ هتتعالجي وهتخفي وهترجعي أحسن من الأول كمان ثم حولت بصرها إلي أمير الذي شلت الصدمة جميع حواسه وصمتَ شارداً من شدة ذهولهُ

وأردفت قائلة لحثهِ علي التحدث والتحرك إلي زوجتة والوقوف بجانبها في أزمتها تلك : _ مش كدة ولا أيه يا أمير ؟ أفاق من ذهولهُ علي كلمات والدة زوجته التي إختصتهُ بها، وعي علي حاله ثم وقفَ وأقترب من زوجته وتحدث بنبرة صوتٍ مختنق من شدة حٌزنهِ وألمه عليها : _ أكيد طبعاً يا ماما ثم نظر إلى أمل بإبتسامة مٌصطنعه تحامل علي حاله لإخراجها : _ إن شاء الله هتتعالجي وهتبقي كويسه علشاني أنا وكارما وماما وإخواتك، وكل الناس اللي بتحبك

هزت رأسها بيأسٍ وأبتسامة ساخرة ظهرت فوق محياها إنتهي الفصل بسمة أمل بقلمي روز أمين

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0